أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

41

الكامل في اللغة والأدب

وأما قوله : وأمتعني على العشا بوليدة * فأبت بخير منك يا هوذ حامدا فإنه كان يتحدث عنه ثم أقبل عليه يخاطبه وترك تلك المخاطبة ، والعرب تترك مخاطبة الغائب إلى مخاطبة الشاهد ومخاطبة الشاهد إلى مخاطبة الغائب . قال اللّه جل وعز : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) « 1 » . كانت المخاطبة للأمّة ثم انصرفت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم إخبارا عنهم . وقال عنترة : شطّت مزار العاشقين فأصبحت * عسرا علي طلابك ابنة مخزم فكان يتحدث عنها ثم خاطبها . ومثل ذلك قول جرير : ونرى العواذل يبتدرن « 2 » ملامتي * فإذا أردن سوى هواك عصينا وقال الآخر : فدى لك والدي وسراة قومي * ومالي أنّه منه أتاني وهذا كثير جدا . وقوله : يرى جمع ما دون الثلاثين قصرة أي قليلا من الاقتصار ويروي ويغدو جميعا . وكان هوذة بن عليّ ذا قدر عال وكانت له خرزات تنظم فتجعل على رأسه تشبّها بالملوك . وحدثني التّوّزيّ عن أبي عبيدة ، قال : ما تتوّج معدّيّ قط إنما كانت التيجان لليمن قال : فسألته عن قول الأعشى : من ير هوذة يسجد غير متّئب « 3 » * إذا تعمّم فوق التاج أو وضعا قال أنما كانت خرزات تنظم له . وكتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى هوذة كما كتب إلى الملوك ، وكانت بنو حنيفة بن لجيم أصحاب اليمامة . ويقول بعض النّسابين إن عبيد بن حنيفة كان أتى اليمامة وهي صحراء ، فاختطّها فجعل يركض حواليها ويخطّ برمحه في الأرض على ما أصاب من النخل وأنهم أكلوا ما

--> ( 1 ) سورة يونس : الآية رقم 22 . ( 2 ) يبتدرن : يسرعن ويعجلن . ( 3 ) غير متئب : غير مستعد .